كلمة الرئيس
بيروت مدينة ذات تاريخ عريق، فهي أمّ الشرائع، وبوابة الشرق، وملتقى الحضارات، وموطن تفاعل الثقافات والأديان، ومنارة العلم والمعرفة، ومدرسة النضال الوطني والقومي، والأمينة على ثقافة العيش الواحد المرتكزة على قواعد الاعتدال، والانفتاح، والتعدّد الديني والمذهبي. وهي عاصمة الوطن، ومركز قراره، ومقصد أبنائه من كل المناطق والطوائف، وعصب اقتصاده، وكانت إلى وقت قريب وجهة محبّبة للسياح والمستثمرين العرب والأجانب.
بيروت التي كانت في الماضي القريب مدينة متألقة متلألئة وزاخرة بالحيوية، أصبحت اليوم مدينة مظلمة وكئيبة، يطغى الوجوم والكآبة على وجوه أبنائها، وتسيطر على نفوسهم هموم الحالة المعيشية المتردية التي وصل إليها لبنان. وهي التي كانت تعجّ بالحياة أصبحت مقفرة وخاوية، فقد أقفلت العديد من مؤسّساتها التجارية والمالية أبوابها واستغنت عن خدمات موظفيها، كما أنّ المتاجر في الوسط التجاري باتت تعاني من الركود وهي على شفير الإفلاس.
يعاني البيارتة وكلّ أبناء الوطن من العوز والضائقة المالية، ومن هاجس الخوف والقلق على مصيرهم ومصير عائلاتهم، نتيجة الأوضاع السيّئة الناجمة من التأزّم السياسي والفلتان الأمني والركود الاقتصادي والانهيار النقدي ونهب المصارف لمدخراتم المالية.
وانطلاقاً من المسؤولية تجاه بيروت وأهلها، وتحسّساً منها بالأحوال المعيشية والخدماتية الرديئة التي وصلت إليها بيروت، عقدت كوكبة من البيارتة الناشطين والناشطات اجتماعات عدة، تمحورت حول قضايا الوطن، انطلاقاً من العاصمة بيروت، وكيفية النهوض بالعاصمة، وتنمية مقدّراتها على الأصعدة المعيشية والاجتماعية والثقافية.
وتوافق المجتمعون على تأسيس جمعية باسم “ملتقى بيروت” هدفها التداول في شؤون بيروت وشجون أهلها، والإضاءة على قضايا بيروت وملفاتها بموضوعية واستنباط الحلول لها، والاهتمام بالشؤون التنموية والإنمائية والخدماتية للعاصمة، والعمل على توحيد صفوف البيروتيين من أجل مواجهة التحديات ومجابهة الصعوبات التي تواجههم بعزيمة وإرادة صلبة، والتعاون مع مؤسّسات المجتمع الأهلي والمدني لما فيه خير بيروت وأهلها.
ويعمل “الملتقى” على تشجيع الحوار بين اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم الطائفية والمناطقية، وبخاصة البيروتيين، وتنمية روح المواطنة والانتماء إلى لبنان وإلى عاصمته بيروت، والمساهمة في خدمة المجتمع البيروتي ومتابعة قضاياه لدى المسؤولين، والتعاون مع مؤسّسات المجتمع الأهلي والمدني التي تشاطر الملتقى أهدافه، واستعادة الوجه الحضاري المشرق والوطني الجامع والموحّد لأطياف المجتمع البيروتي، وإبراز دور بيروت الثقافي والعلمي في لبنان والعالم العربي.، وإلقاء الضوءعلى رجالاتها ونسائها الذين تميّزوا بعطاءاتهم الفكرية والفنية، والتشديد على الحفاظ على تراث بيروت العمراني الذي يشكّل جزءاً رئيساً من ذاكرتها.
وسيكون لـ”الملتقى” مواقف وطنية في القضايا المصيرية، نابعة من نبض الشارع البيروتي، العريق في وطنيته، والأصيل في عروبته.
بيروت التي وُلدنا وترعرعنا فيها، ونفتخر بالانتماء إليها، تستحقّ منّا هذه المدينة العظيمة كلّ رعاية واهتمام، كي تعود مدينة متألقة ومزدهرة، وكما كانت “سيدة العواصم العربية”.
الدكتور فوزي زيدان
1 1 تشرين الثاني 2022
